هشام جعيط

238

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

وجدوا بالكوفة . كانت جولة مهمة جدا ومحيرة حقا ، إذ لم نقدر على تتبعها أحيانا ، بل ضعنا في متاهاتها . كانت العودة إذن إلى النخع ، ثم بدأ التجمع من هناك ، فكان مسير ذو منعرجات « وهو في ذلك يتجنب السكك التي فيها الأمراء » « 1 » ، أي طرق المرور التي تمسك بها الجبانات ، وهي الطرق الكبرى التي ورد ذكرها في هذا الصدد . وتتحول هذه المناهج إلى طرق كبرى متجهة إلى الحيرة ، عند مغادرة الكوفة ، كما أنها تتجه إلى مكة ودمشق والمدائن والبصرة ، وكانت تسمح في الداخل بتوجيه القبائل إلى المسجد . لا شك أن الجبانات كانت تقفل منافذها وتراقب منها المرور ، بكيفية أو بأخرى ، ونضيف أنه ربما لم يتبق منها إلا طرق قليلة لا كل الطرق التي خطّت في البداية . وسينتهي المسير ، في مرحلة إبراهيم هذه ضمن الخطط ، وينتهي باللحاق بالمختار . كان مسلكا مستفزا متسترا في آن ، حسب الوضع . أ ) لقد انطلق من النخع واتجه إلى مسجد السكون « 2 » ، وهي عشيرة مهمّة من كندة . ومن سيف عرفنا أن خطة كندة كانت مجاورة لخطة مذحج . ب ) ثم دخل المسلك قسرا إلى جبانة كندة التي لا شك أنها كانت غير بعيدة . ج ) تمثل جبانة أثير المرحلة الثالثة « 3 » . لكن أثيرا رجل من أسد والمعتقد لا محالة أنها كانت تقع بخطة أسد ، إلى جنوبي الجنوب الغربي لا في خطة مذحج كما جاء بخارطة ماسينيون ، وقد سمى البلاذري هذه الجبانة صحراء « 4 » ، أما أبو مخنف فقد حار بين الاسمين . وما يميّز الجبانة من الصحراء أن الأولى كانت مخصصة للدفن كما للتجمعات من النوع العسكري ، في حين أن الثانية خصّصت للاحتفالات « 5 » . لكن يبدو أن صحراء أثير كانت صورة مزدوجة ، كما الأمر في جبانة سليم . د ) دحر إبراهيم خصومه تدريجيا ، من صحراء أثير إلى الكناسة « 6 » . وقد اعتمد ماسينيون مصدرا شيعيا ليجعل منها مزبلة لأسد « 7 » ، وحدد موقعها بالباب الغربي في الكوفة . يمكن ويرجح أن هذه الساحة الكبرى كانت تقع في خطة أسد في بداية الأمر ، أي

--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 21 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 21 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 21 . ( 4 ) فتوح البلدان ، ص 280 . ( 5 ) انظر لاحقا . ( 6 ) الطبري ، ج 6 ، ص 22 . ( 7 ) : Massignon , Art . cit . , p . 53 . هو نفس الرحمان للطبرسي النوري وقد انفرد بذكر هذا الخبر .